محمد بن جرير الطبري

23

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي يقول تعالى ذكره : قال هذا الانسان الذي هداه الله لرشده ، وعرف حق الله عليه فيما ألزمه من بر والديه رب أوزعني أن أشكر نعمتك يقول : أغرني بشكر نعمتك التي أنعمت علي في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للاقرار بذلك ، والعمل بطاعتك وعلى والدي من قبلي ، وغير ذلك من نعمك علينا ، وألهمني ذلك . وأصله من وزعت الرجل على كذا : إذا دفعته عليه . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : 24187 - حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أوزعني أن أشكر نعمتك قال : اجعلني أشكر نعمتك ، وهذا الذي قاله ابن زيد في قوله : رب أوزعني وإن كان يؤول إليه معنى الكلمة ، فليس بمعنى الايزاع على الصحة . وقوله : وأن أعمل صالحا ترضاه يقول تعالى ذكره : أوزعني أن أعمل صالحا من الأعمال التي ترضاها ، وذلك العمل بطاعته وطاعة رسوله ( ص ) . وقوله : وأصلح لي في ذريتي يقول : وأصلح لي أموري في ذريتي الذين وهبتهم ، بأن تجعلهم هداة للايمان بك ، واتباع مرضاتك ، والعمل بطاعتك ، فوصاه جل ثناؤه بالبر بالآباء والأمهات والبنين والبنات . وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وقوله : إني تبت إليك وإني من المسلمين يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا الانسان : إني تبت إليك يقول : تبت من ذنوبي التي سلفت مني في سالف أيامي إليك وإني من المسلمين يقول : وإني من الخاضعين لك بالطاعة ، المستسلمين لأمرك ونهيك ، المنقادين لحكمك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) * . يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم ، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا في الدنيا من صالحات الأعمال ، فيجازيهم به ، ويثيبهم عليه ويتجاوز عن سيئاتهم يقول : ويصفح لهم عن سيئات أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، فلا يعاقبهم